حيدر حب الله
175
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
وكيفاً - مع حجم السيرة واستحكامها « 1 » ، فهو أمرٌ يمكن قبوله في الجملة في مثل نصوص السنّة التي ترد متفرّقةً هنا أو هناك في جوابٍ عن سؤالٍ فرعي هنا أو هناك ، أما في مثل النصّ القرآني فإنّ له خصوصيّته التي تقوم على قطعيّة الصدور من جهة ، وتداوله العام من جهة ثانية ، وكونه بمثابة الأساس الحاضر في الوعي الإسلامي على الدوام ثالثاً ، فالنصّ الواحد منه - نتيجة هذه الخصوصيّات وأمثالها - يسمح له بالردع عن سِيَر مستحكمة ولو بآية واحدة ، وهذا تمييز لطيف بين القرآن والحديث غالباً في قضيّة الردع عن السِّير والأعراف . نعم ، يبقى أنّ وجود هذا النصّ مع خلوّ السنّة من الحديث حول الموضوع الردعي هذا ، قد يُضعف من الوثوق بفهم الردع من النصّ القرآني نفسه ؛ إذ عادةً ما تثير السنّة ما يطرحه الكتاب ، ويثير السائلون ما جاء من ردعٍ في الكتاب ، فعندما تخلو السنّة من شيء من ذلك يكشف هذا الأمر عن أنّ فهمنا للكتاب كان غير دقيق ؛ إذ لم يفهم المعاصرون ذلك ، وهو أمرٌ قد يحصل في بعض الموارد لا في جميعها . وكلّ ما أسلفناه مبني على فرضيّة الحجيّة الإمضائيّة للسيرة ، لا على الحجيّة الذاتيّة التي تُرجع السيرةَ إلى أحكام العقل العملي ، كما طرحه بعض المعاصرين ، وتفصيل البحث نوكله إلى محلّه . ب - أما الإجماع والشهرة وسيرة المتشرعة وأمثال ذلك ، فإنّ قيمتها في كشفها عن وجود موقفٍ شرعي صدر من المعصوم ، ومن ثم سيعني ذلك أنّ لدينا موقفاً شرعيّاً معلوماً - في الجملة - صادراً عن المعصوم ، ويقع على خلاف نصّ آيةٍ قرآنية كريمة ، وهنا :
--> ( 1 ) انظر - على سبيل المثال - : محمد باقر الصدر ، دروس في علم الأصول ، الحلقة الثالثة : 182 ، من موسوعة أعمال السيد الصدر ، مج 7 .